الشيخ محمد علي الحسيني  » البيت الإبراهيمي يجمعنا »

أثناء مشاركتي في «المؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية»، والذي استضافته دولة الإمارات العربية المتحدة في يومي 3 و4 فبراير2019، تبادر لذهني فکرة جمع الديانات السماوية الثلاث الإسلامية والمسيحية واليهودية تحت سقف البيت الإبراهيمي، إذ أن نَسَبُ الأنبياء الثلاثة، محمد«صلى الله عليه وسلم» وعيسى«عليه السلام» وموسى«عليه السلام»، يعود إلى النبي إبراهيم«عليه السلام»، لذلك ينبغي رفع الحزازات والحساسيات الطارئة والمفتعلة أساساً بين هذه الديانات، فهذه الحساسيات هي في الحقيقة تتعارض معها، والأهم من ذلك أنها قد أضرت بها، فالأديان الثلاثة وعند المطالعة في خطوطها العامة نجد أنها تدعو إلى قيم الحق والخير
والسلام والمحبة والأخوة الإنسانية
فکرة «البيت الإبراهيمي» وجمعُ الديانات الثلاث تحت سقفه وجعله منطلقاً للتأسيس لخطاب ديني إبراهيمي تسامحي مسالم شامل يعبر عن الجوهر والبعد الأخلاقي والإنساني من شأنه أن يکون بمثابة نقلة، بل وحتى قفزة استثنائية تتجاوز کل الحدود والعراقيل، وتمهد لآفاق جديدة في التفاهم والتقارب والتآلف بين أتباع الأديان الثلاثة بالإضافة لتأثيراتها الإيجابية على العالم کله وزرع قيم الخير والمحبة والإنسانية
قيم الخير والسلام والتآلف والمحبة، هي من الأسس التي تقوم عليها الديانات الإبراهيمية الثلاث وتدعو وتحث عليها، في الإسلام فإن الآية القرآنية الکريمة«62» من سورة البقرة والتي تقول:(إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون)، أو کما جاء في الآية الکريمة«136» من سورة البقرة التي تقول:(قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لانفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون)

أما في الديانة المسيحية وعند النظر في الإنجيل، وکما يقول الإصحاح 7:48 من أنجيل يوحنا:(أيها الأحباء، لنحب بعضنا بعضا، لأن المحبة هي من الله..)..(ومن لا يحب لا يعرف الله، لأن الله محبة)، أو کما جاء في الإصحاح 27:14 من أنجيل يوحنا:(سلاما أترك لکم. سلامي أعطيکم. ليس کما يعطي العالم أعطيکم أنا. لاتضطرب قلوبکم ولاترهب). وفي الديانة اليهودية، فقد جاء في التوراة:«فيقضي بين الأمم ويحكم بين الشعوب الكثيرة فيطبعون سيوفهم محاريثهم ورماحهم مناجل ولا ترفع أمة على أمة سيفاً ولا يتدربون على الحرب فيما بعد» (أشعيا 4:2). وعند التمعن والتمحص في هذه النصوص الدينية، نجد أن القاسم المشترك بين هذه النصوص الدينية والرابط بينها هو الدعوة للسلام والمحبة والتآلف واعتبار ذلك أساساً للحياة ولضمان الأمن والاستقرار، وهو ما يؤکد أن فلسفة الأديان الإبراهيمية مبنية على أسس إنسانية وحضارية ترفض العزلة والانغلاق وتدعو للانفتاح على الآخر وتقبلهالبيت الإبراهيمي، ليس کأي بيت آخر، إنه بيت سيقوم على توحيد الخطاب الديني للديانات الثلاث وي?سس لعهد ومرحلة إنسانية جديدة تتلائم وتتفق مع القرن الـ21 والتقدم العلمي والحضاري والثقافي الحاصل فيه، وإن هذا البيت سيکون بمثابة جامعة دينية فکرية ثقافية تتجاوز کل العقبات التي تقف بوجهها، وستمهد حتماً لمتغيرات وتطورات ومستجدات إيجابية حتماً لأن الانفتاح على الآخر يمنح للعقل الإنساني قوة وزخم الإبداع والتجديد وهو ما يدعو للتفاؤل بنشوء اتجاهات توحيدية تقاربية تآلفية أقوى من مثيلاتها في المراحل التاريخية السابقة

الدعوة للبيت الإبراهيمي، ستکون خطوة عملية غير مسبوقة خصوصاً فيما لو تم دعمها من جانب الجهات والمؤسسات المعنية وتبنيها بالصورة التي تستحقها لأنها ستکون أول بوتقة ستقوم بتذويب وصهر الاختلافات وجعلها شيئاً من الماضي کما أنها ستکون بمثابة الأرضية الصلبة التي تتحطم وتنکسر عليها کل الأفکار والرؤى المتطرفة التي تخلق الأجواء المناسبة للإرهاب ونشوء المنظمات الإرهابية، وإن التقاء الأديان الثلاثة في هذا البيت الذي سيکون من مهامه الأساسية أيضاً الدعوة لإعمار الأرض وبناء الإنسان بما يجعل کوکبنا الأرضي أفضل من أي وقت مضى، وهذا المقترح الذي ندعو إليه يتجاوز الحدود والمصالح الاعتبارية لأي دين لأن الاعتبار الإلهي والإنساني هو الذي سيغلب عليه وفي النتيجة النهائية فإن العالم کله سيستفيد من نعمة تأسيس هذا البيت الذي سينتصر أخيراً وفي الألفية الثالثة بعد الميلاد للإنسانية التي ذاقت الأمرين طوال القرون الماضية والله المستعان

الكاتب

À propos Lahcen Hammouch